12 مايو، 2012

إرهابية الإمبراطورية الأمريكية - 19 – كتاب الجريمة الأميركية المنظمة في العراق ---1


إرهابية الإمبراطورية الأمريكية  - 19 –

كتاب الجريمة الأميركية المنظمة في العراق ---1

بقلم الباحث والكاتب العربي حسن خليل غريب - لبنان
تقديم الكتاب إلى القراء الكرام
إني أترك مهمة كتابة الإهداء والمقدمة لأميركيْين، من أصحاب الضمير، وهما: هانس فون سبونك، منسق الأنشطة الإنسانية للأمم المتحدة في العراق (1998-2000). وسندي شيهان، والدة الجندي كاسي أوستن شيهان الذي قتل في الميدان في الرابع من إبريل/ نيسان 2004 وهي عضو مؤسس في جمعية «عائلات النجمة الذهبية للسلام». وفيهما ما يعبِّر تمام التعبير عما يعاني منه أصحاب الضمير من الأميركيين بعيداً عن التلوث الأخلاقي الذي تعاني منه النخب الرأسمالية الأميركية الحاكمة.
أما أنا فأتوجه إلى القراء العرب لأسهم في تصويب الأنظار نحو مجسَّم توثيقي للجريمة الأميركية في العراق. ومن أهم ما وصلت إليه من استنتاجات هو أنه لا يجوز بعد الاطلاع على خفاياها، عندما نريد التعبير عن هولها وفظاعتها أن نقول: إنها تُرتكب على الطريقة المغولية، لأن الواقع أننا من أجل التعبير عن هولها وفظاعتها يجب أن نقول: إنها تُرتكب على الطريقة الأميركية.
إن الجريمة الأميركية التي لمست كل زواياها من خلال دراستي لمعظم جوانبها في العراق، تخفي وراءها من الفظاعة والهول واللا أخلاقية ما لم ترتكبه أية جماعة غازية في التاريخ العالمي.
ويكفينا أن نغيِّر معادلة المصطلح للتعبير عن فظاعة الجريمة أن نصفها بأنها تُمارس على الطريقة الأميركية.
لعلّي بدراستي التوثيقية التي بين أيدي القراء أكون قد أسهمت في توثيق المستور في خبايا الجريمة الأميركية بعد أن انكشف إلى العلن.
كما أتمنى أن أكون قد قدَّمت إلى «المحكمة الجنائية الدولية» ملفاً توثيقياً سيسهم، بعد الهزيمة الأميركية في العراق التي تبدو ملامحها قريبة وعاجلة،  في تيسير جمع المعلومات المطلوبة لتكوين ملف اتهامي يساعد في إحالة جورج بوش وزمرته في الإدارة الحالية، مع عملائه الدوليين، والعرب، والعراقيين، إلى محاكم جرائم الحرب الدولية.
كما أود أن يؤدي إلى محاكمة إنسانية فكرية لأقذر إيديولوجيا مهَّدت وخططت ونفَّذت تلك الجرائم البشعة. ويكفي التدليل على فظاعتها أنها ارتكبت على «الطريقة الأميركية».
عنوان الكتاب «الجريمة الأميركية المنظمة في العراق»، وهو في ثلاثة أجزاء:
الأول تحت عنوان: التكوين الإيديولوجي والنهج السياسي.
الثاني تحت عنوان: وحشية في الممارسة والتطبيق. وفيه قسم وثائقي من الصور الملونَّة.
الثالث تحت عنوان: أمام قوس المحكمة الجنائية الدولية.
صدر الكتاب عن دار الطليعة في بيروت.
لبنان في 3/ 12/ 2005                                   حسن خليل غريب

الاهداء
إلى ذلك العراقي المجهول
هانس فون سبونك، منسق الأنشطة الإنسانية للأمم المتحدة في العراق (1998-2000). middle-east-online 2003-06-12م.  شبكة البصرة

ما فعلناه بك باسم الحرية والديمقراطية ليس له مثيل في التاريخ. لقد دسنا على حقائق معاناتك، وسعينا بكل الوسائل، حتى الرشاوى، لكي نفوز بالحلفاء، ودفعنا جانباً أولئك الذين عارضوا طموحاتنا الإمبراطورية. والقوة السافرة أصبحت البديل عن ذلك الوعد الذي أطلق في العام 1945 عن "إنقاذ الأجيال القادمة من كارثة الحرب". إنك أنت من دفع الثمن.

هل ستسامحنا يوماً؟
زدنا العذاب بسيف العقوبات الذي سلطناه على رقبتك. كنت تتلقى لعنة العقاب المزدوج على شيء لم تكن لك يد  فيه. مات مليونان من أهلك خلال تلك السنوات العجاف، وربما اكثر. لكن هل يعني هذا الرقم الكثير؟ لم يكن لأحد منهم أن يموت بسببنا، فالجميع لديهم حق في الحياة بسلام، مثلنا نحن.دعنا لا ننسى أولئك الذين ما زالوا أحياء، والذين لن يستطيعوا العيش كما كانوا ثانية. لقد أصبحوا كالصدف الأجوف الخالي من الروح.لم نكن نريد أن نشركك معنا في حريتنا وديمقراطيتنا. كل ما كنا نريد هو أن نمرر لك نفاقنا.

هل ستسامحنا يوماً؟
كاميرا الحياة تأخذ صوراً حية. دعنا لا نستخدم تلك العدسات التي تظهر لنا الحقيقة. لا يمكننا الزعم بأننا لم نكن نحس بمعاناتك؟ ولا يمكننا إنكار عدم المشاركة في تعميق آلامك، وبحماس قل نظيره. كنا نعلم بجوع أطفالك. كنا نعلم بموتهم بالآلاف. لكننا لم نكن نحس بالذنب. رؤيتنا لك كانت محسوبة بدقة. لم نكن نتردد في منع الطعام عنك، حتى لو كان في ذلك تهديداً لحياتك.جادلنا بأن قوافل الغذاء تلك كانت تستخدم كأسلحة دمار شامل. لكننا في نهاية الأمر اعترفنا أن الحصار هو اكثر أسلحة الدمار الشامل فتكاً.

هل ستسامحنا يوماً؟
لوقت طويل قيدنا بيعك النفط، بل وحرصنا أن نأخذ من تلك الأموال القليلة لنملأ خزائن حكوماتنا وشركاتنا الثرية للتعويض عن الخسائر التي قالوا إنهم خسروها عندما اعتدت حكومتك على الكويت. كنا نعلم أن الكثير من أطفالك ما كان لهم أن يموتوا لو أن تلك الأموال وصلت إليك بدلاً منهم. حرمناك من كل المصادر التي تديم مدارسك ومستشفياتك وطرقات بلدك وجسوره، وحرمناك من الأموال التي كان يمكن دفعها لمدرسي أبنائك وأطبائهم وموظفي خدماتهم. بل لم نخجل حتى من حرمانك من تلك القروش البسيطة التي طلبتها لكي تنفقها في الحج وزيارة مكة.

هل ستسامحنا يوماً؟
كان واجبنا أن نتابع ماذا تفعل سياساتنا بك. لكننا أهملنا، عمداً، هذه المسؤولية. فقد رضخنا للقوة التي تحكم عالمنا اليوم، وأغلقنا أعيننا وصممنا آذاننا عن مشاهدة آلامك وسماع صراخك. لقد قررنا أن برنامج النفط مقابل الغذاء، ورقة التين التي تستر عورة ضميرنا، كان كافياً لمنحك ما تحتاجه. وكذبنا وقلنا إن ألمك، إذاً، ليس لنا دخل فيه. أما (رئيسكم السابق)، فاتهمناه بأنه السبب في كل ما يجري لك. وكل من اعترض على ذلك منا، اعتبرناه خائناً، أو عزلناه، أو صغَّرنا من شأنه، أو وصفناه بالخبث، أو حتى اعتقلناه. هذه هي الديمقراطية.

هل ستسامحنا يوماً؟
بالطبع لم يغب عن ذهننا أن اكثر الضحايا براءة وأكثرهم تعرضا للأذى، أطفالك، قادة الغد، قد نالهم القسط الأكبر من عقابنا. فلم يتعلموا كما تعلمت وتعلمنا. تقصدنا منع إصلاح مطابعك، بل حتى الرسائل التي تحمل كل ما يمكن أن يعلمك وأطفالك شيئاً. منعناها من الوصول إليك. منعنا عنك حتى نوطات الموسيقى. وكما قال واحد منكم، لقد دمرنا اقتصادكم وواصلنا تدمير عقولكم. ومرة بعد أخرى، منعنا عنك ما يجعل مياه شربك نقية، أو مياه نهرك نظيفة. دعني أذكرك بأن تلك المياه الملوثة هي قاتلة أطفالك الكبرى. لم نكن نبالي، فهؤلاء لم يكونوا أولادنا...

هل ستسامحنا يوماً؟
حقاً كان هناك «محور الشر». ذلك الحلف من الحكومات ومعاهد البحوث وصنع القرار  ومؤسسات الإعلام والشركات الكبرى ممن أقاموا حائطاً كبيراً من الخداع بينك وبين العالم. العراق؛ القاعدة؛ أسلحة الدمار الشامل؛ والإرهاب: قلنا للعالم إنها توليفة خطيرة. قلنا للجميع: ثمة مئات الأطنان من الأسلحة الكيماوية والبيولوجية، والكثير من الصواريخ والقنابل والآلاف من الإرهابيين يستعدون للانقضاض علينا. ثمة خطر ماحق ينتظرنا، وليس لدينا سوى استباقه وتدميره لتجنبه. كل أولئك المعارضين، ممن دعوا إلى السلم وتحكيم المنطق والقانون، عوقبوا عقاب «الصدمة والترويع» قبل أن تصب حممها على رأسك. بكل سخرية، أعلنا أن 170 من مفتشي الأمم المتحدة وتلك الطائرات المروحية البيضاء، لم تكن كافية لأداء مهمة نزع سلاح العراق. وساعدنا في ذلك فيض متواصل من الوثائق المزورة والتقارير المفبركة والاستخبارات المفتعلة لإقناع الناس بجدوى الحرب عن طريق زرع الخوف في قلوبهم. ولكي نقنع برلماناتنا بالموافقة على الحرب. تظاهرنا بالقلق على سيادة دولتك، لكننا، وبكل ما يحمله فعلنا من تناقض، قررنا إقامة مناطق حظر الطيران، بل وأعلنا أن طيارينا هناك في مهام خطرة، ويجازفون بحياتهم دفاعاً عنك. لكن ما حصل أنهم كانوا يفتون في عضدك ويجازفون بحياتك، وليس حياتهم، قبل أن يشنوا الحرب عليك.

هل ستسامحنا يوماً؟
لوقت طويل حاول دجالونا الإبقاء علينا أسرى ونحن نشاهد مأساة الحرب والتقدم خطوة خطوة نحو حدودك. كان ثمة انقسام كبير بيننا. الكثير منا كان فعلاً يخاف عليك، في حين كان الآخرون لا يستطيعون تمالك رغباتهم بشن الحرب التي خططوا لها منذ زمن طويل. كان على قادتنا أن يشوشوا على كل تلك المشاكل الاقتصادية والاجتماعية الملحة التي تعصف بمجتمعاتنا. فدون نفطك تنهار استراتيجيتنا في السيادة على مقدرات العالم.

هل ستسامحنا يوماً؟
قلنا لجنودنا إنهم يحاربون الشر ويدافعون عن الخير. وزودتنا تلك السنوات الطويلة من تحسين تكنولوجيا الموت التي أنفقنا عليها المليارات الطائلة، زودتنا بالثقة بأن الخسائر ستكون على جهتك أنت وليست بين جنودنا. وتأكدنا من أن تقارير الحرب تصورنا كأبطال،  وتمسخك شريراً ونصيراً لطاغية. وكما كان متوقعا لأقل الحروب عدلاً في التاريخ، فان هذه الحرب لم تدم طويلاً. فأسلحتنا كانت أكثر من جيدة. وفيما كنا نواصل حياتنا في نعمة السلام، كنا نشاهد معاناتك أمام رعب الحرب. وأي تقرير موضوعي عن الحرب، تلك التي تقتل أبناءك وبناتك، بل حتى جنودنا، كان يعني نهاية الطريق لذلك الصحفي.

هل ستسامحنا يوماً؟
كان هناك القليل من الزهور  والأعلام والوجوه الباسمة ممن استقبلتنا عندما دخلنا العراق. أين ذهبت تلك الأسلحة الفتاكة التي وعدونا بالعثور عليها؟ لم نحس بالذنب، ولم تكن لنا رغبة في الاعتذار. ولسوء حظك، لم تكن هناك خطة لشفائك. المنتصرون هم المنتصرون. والفوضى لاءمت ما كنا نريده لك. لكننا كنا حريصين على آبار النفط. فأنت لم تكن تهمنا، بل العكس. لقد كان ممتعاً مشاهدة غضبك وحقدك. وكان الطمع، طمعنا وطمعك، اغتصب تراثنا المشترك. فمتاحفك أضحت فارغة، ومكتباتك محروقة، وجامعاتك مدمرة.
لم يبق إلاَّ اعتزازك بنفسك.. وذنبنا.
فهل ستسامحنا يوماً؟


ليست هناك تعليقات: