31 يناير، 2009

فهمي هويدي :متنافسون علي شئ آخر



متنافسون علي شئ آخر

29/01/2009
فهمي هويدي

أصبحت المذبحة الإسرائيلية في غزة عنواناً مهماً في الحياة اليومية بقطر، وتحولت مساندة الشعب الفلسطيني في القطاع إلي واجب وطني تتنافس مختلف الفئات علي أدائه والنهوض به علي نحو يثير الإعجاب والدهشة. كانت تلك خلاصة انطباع خرجت به من زيارة لمدة 48 ساعة إلي «الدوحة». كنت مدعواً خلالها من قبل نادي الجرة الثقافي لإلقاء محاضرة عن «حماس والسلطة والمجتمع الدولي». وحين وصلت وجدت في الصحف القطرية حملة من الإعلانات عن محاضرات أخري تالية، لبعض الخبراء والعلماء، وعلمت أن أمسيات ثقافية أقيمت لهذا الغرض أسهم فيها شعراء من بعض الأقطار العربية، كما أن الصحف حفلت بالكتابات والقصائد التي تمجد نضال الشعب الفلسطيني وتدعو إلي مساندته وإغاثته. وقرأت أخباراً عن فعاليات نظمتها الوزارات المختلفة لذات الهدف، الثقافة والشئون الاجتماعية والأوقاف والتعليم.. إلخ. ونشرت بعض الشركات إعلانات عن إقامة مزادات علنية للتضامن مع الشعب الفلسطيني، عرضت فيها سيارات ومجوهرات وحلي وأي سلع أخري يمكن أن يتنافس الناس علي شرائها.

أثار انتباهي في هذا السياق أن اليوم الذي وصلت فيه، شهد إطلاق قناة تليفزيونية فضائية لطلاب قطر باسم «الفاخورة»، وهو اسم المدرسة التابعة لوكالة غوث اللاجئين التي تعمدت الطائرات الإسرائيلية تدميرها بعدما لجأ إليها بعض الفلسطينيين للاحتماء بها من نيران القصف، وفي الوقت ذاته تم إطلاق موقع الفاخورة الإلكتروني لجمع التبرعات والتوعية بحقائق الجريمة الإسرائيلية، وفي تقديم قناة «الفاخورة» ذكرت الصحف أنها ستباشر إرسالها لمدة أسبوع لفتح العدوان علي غزة وإدارة حوار مع المثقفين والطلاب حول أهدافه ومراميه.

وقد رعت هذه الحملة الشيخة موزة ليس فقط باعتبارها قرينة لأمير قطر، ولكن أيضاً باعتبارها مبعوثاً لليونسكو للتعليم الأساسي والعالي.

هذه الفعاليات من تداعيات الموقف المتضامن والمساند الذي تبنته قطر منذ بدء العدوان، وعبرت عنه دعوة أمير قطر إلي عقد مؤتمر طارئ للقمة العربية، التي يعرف الجميع قصتها وما آلت إليه.

في ذلك الموقف المبكر أُرسلت ثلاث طائرات قطرية إلي العريش محملة بالأدوية والأغذية. لكن السطات المصرية سمحت بإدخال الأدوية فقط، وعادت الطائرتان المحملتان بالأغذية إلي الدوحة مرة أخري، لكن الهلال الأحمر القطري والجمعيات الأهلية لم تتوقف عن مساندة المحاصرين بمختلف السبل.

فإضافة إلي مواصلة إرسال المواد الإغاثية، فإنه تم أثناء العدوان إقامة مخبز كان يعمل 24 ساعة لتقديم الخبز لمن يريد.. وحين قيل إن معبر رفح مخصص للأفراد فقط، ولا تتوفر له التجهيزات التي تمكّنه من إدخال البضائع، فإن إحدي الجمعيات الأهلية قدمت عرضاً للسلطات المصرية أبدت فيه استعدادها للتكفل بإعادة بناء المعبر وتجهيزه، بحيث يفي بتلبية احتياجات القطاع المختلفة، لكنها لم تتلق رداً من القاهرة.

خلال اليومين اللذين قضيتهما في الدوحة، كانت غزة هي القاسم المشترك الأعظم في كل مجلس شهدته أو حوار شاركت فيه حتي بدا وكأن السؤال المحوري الذي شغل الجميع هو كيفية تقديم الدعم والمساندة إلي أهالي القطاع.

قصدت الطائرة المصرية العائدة إلي القاهرة وأنا معبأ بهذه الانطباعات وعبارات تمجيد المقاومة وعناوين الدعم إلي مساندتها وإغاثة الفلسطينيين تتراءي أمام عينيَّ، وحين طالعت الصحف القومية المصرية الصادرة في ذلك اليوم «الثلاثاء 27/1» كانت عناوينها كالتالي: نواب الأغلبية والمعارضة والمستقلون يؤيدون جهود مبارك تجاه أزمة غزة.. توقير دروس الأزمة وعبقرية الدور «الأهرام» - نواب الشعب يؤكدون تأييدهم لمواقف وسياسات الرئيس مبارك.. سرور: مصر قادت المجتمع الدولي لوقف العدوان علي غزة، بينما اكتفي الآخرون بالنقد «الأخبار» سرور: مبارك أنقذ الأمة بحكمته وخبرته السياسية.. مصر تمسكت بالموقف القوي والصحيح، والآخرون اكتفوا بالإثارة والشائعات «الجمهورية»، كانت المفارقة شديدة لأنني وجدتهم هناك يتنافسون في مساندة شعب فلسطين، بينما هم هنا يتنافسون علي شيء آخر!


ليست هناك تعليقات: